تخطَّ إلى المحتوىمبادئ الإنسانمبادئ الإنساند. محمد بن نواف آل فهد
اشترك
الضجيج في الأحكام البشرية: لماذا يصدر حكمان مختلفان في القضية نفسها؟
القرار والحكم·2026-09-11·6 دقائق قراءة

الضجيج في الأحكام البشرية: لماذا يصدر حكمان مختلفان في القضية نفسها؟

نفس الملف الطبي يعطي تشخيصين مختلفين حسب الطبيب، ونفس القضية تنال حكمين متباينين حسب القاضي. هذا التشتت غير المرغوب في الأحكام له اسم علمي: الضجيج، وهو خطأ مختلف تمامًا عن التحيّز.

تخيّل أنك أرسلت الملف الطبي نفسه إلى خمسة أطباء مختلفين، فعاد كل واحد منهم بتشخيص مختلف. أو تخيّل أنك قدّمت الطلب الوظيفي نفسه لخمسة مقيّمين، فمنحه أحدهم درجة ممتازة ورفضه آخر تمامًا. المفاجأة ليست أن أحدهم أخطأ، بل أن الاختلاف بينهم واسع إلى هذه الدرجة رغم أنهم نظروا إلى الملف نفسه بالضبط. هذا التشتت غير المرغوب فيه بين الأحكام له اسم دقيق في علم القرار: "الضجيج" (Noise)، وهو - كما يوضح عالم النفس دانيال كانمان ومعه أوليفييه سيبوني وكاس صنستين في كتابهم "Noise: A Flaw in Human Judgment" (2021) - خطأ مستقل تمامًا عن التحيّز، ونتجاهله عادة لأننا لا نراه بسهولة.

التحيّز والضجيج: خطآن مختلفان لا خطأ واحد

حين نفكر في خطأ الحكم البشري، يخطر ببالنا غالبًا "التحيّز" (Bias): ميل منهجي في اتجاه معيّن، كأن يميل مقيّم بعينه دومًا إلى التشدد، أو يميل نظام كامل إلى التمييز ضد فئة معينة. لكن الضجيج مختلف: إنه التشتت العشوائي غير المنهجي بين الأحكام، بلا اتجاه ثابت. يشرح المؤلفون الفرق بتشبيه بسيط: لو أطلقت أربع مجموعات من الرصاص على هدف، فالتحيّز يعني أن كل الطلقات تصيب بعيدًا عن المركز لكنها متقاربة من بعضها في جهة واحدة، بينما الضجيج يعني أن الطلقات متناثرة في كل الاتجاهات حول الهدف - وأخطر ما في الأمر أن نظامًا قد يكون منخفض التحيّز في المتوسط، لكنه في الوقت نفسه صاخب جدًا في كل حالة فردية، ومتوسط أخطاء متضادة لا يعني غياب الخطأ عن كل فرد.

الفارق العملي مهم: تصحيح التحيّز يتطلب معرفة اتجاهه لتعديله، أما تقليل الضجيج فيتطلب أدوات مختلفة تمامًا - توحيد الإجراء، لا تعديل الاتجاه.

دراسة كشفت الضجيج داخل شركة تأمين كبرى

حين أجرى الباحثون "تدقيق ضجيج" (Noise Audit) داخل إحدى شركات التأمين الكبرى - وهي دراسة يرويها الكتاب بالتفصيل - طلبوا من عدد من كبار المسؤولين التنبؤ بمقدار التفاوت المتوقع بين خبراء التسعير (Underwriters) حين يقيّمون بوليصة التأمين نفسها لعميل افتراضي واحد. توقّع هؤلاء المسؤولون تفاوتًا لا يتجاوز 10٪. لكن حين قورنت التسعيرات الفعلية التي وضعها الخبراء لنفس الحالات، تبيّن أن الفارق الوسيط بينها بلغ نحو 55٪ - أي أن العميل نفسه قد يُعرض عليه سعر تأمين مختلف اختلافًا كبيرًا بحسب الموظف الذي تولى ملفه فقط، لا بحسب أي فرق حقيقي في المخاطر. فارق مشابه، وإن كان أقل حدة، ظهر أيضًا بين مقيّمي المطالبات (Claims Adjusters) حين قيّموا التعويض المناسب للحادثة نفسها. النتيجة أن هذا التشتت كان يكلّف الشركة، بحسب تقدير الباحثين، مبالغ ضخمة سنويًا لم تكن الإدارة تعرف أصلًا أنها تخسرها - لأنه لا أحد يراجع "الفروق بين الموظفين" بقدر ما يراجع الأداء العام.

مثال آخر: بصمات الأصابع ليست حاسمة كما نظن

في دراسة أجراها الباحث المعرفي إيتيل درور مع زميله ديف تشارلتون، أعاد الباحثان عرض بصمات أصابع سبق لخبراء متمرّسين أن حكموا عليها سابقًا (بأنها متطابقة مع بصمة مشتبه به أو غير متطابقة)، لكن هذه المرة دون أن يخبروا الخبراء أنها الحالة نفسها، مع تغيير السياق المصاحب لها قليلًا (معلومة عن اعتراف المشتبه به أو غيابه). النتيجة أن عددًا ملحوظًا من الخبراء غيّروا حكمهم على البصمة نفسها التي حكموا عليها من قبل. إذا كان هذا يحدث في مجال يُفترض أنه الأكثر "موضوعية" وتقنية بين مجالات الحكم البشري، فما بالنا بالأحكام الإدارية أو الطبية أو القضائية اليومية الأقل تقييسًا؟

أنواع الضجيج الثلاثة

يقسّم كانمان وزملاؤه الضجيج إلى ثلاثة مكوّنات مختلفة، ومعرفة الفرق بينها مهمة عمليًا لأن كل نوع يحتاج علاجًا مختلفًا:

ضجيج المستوى (Level Noise)

هو الفارق الثابت بين شخص وآخر في "معياره" العام: مقيّم يميل عمومًا إلى التشدد في كل الحالات، وآخر يميل عمومًا إلى التساهل في كل الحالات، رغم أن كليهما يطبّق معيارًا ثابتًا مع نفسه. هذا النوع غالبًا هو الأسهل ملاحظة لأنه يظهر بوضوح حين تقارن متوسط أحكام كل شخص بمتوسط أحكام البقية.

ضجيج النمط (Pattern Noise)

هو التفاوت في كيفية استجابة كل شخص لحالات معينة بعينها، بمعزل عن مستواه العام. فقد يكون مقيّم متشددًا بشكل عام، لكنه بالتحديد يتساهل مع نوع معيّن من الحالات لأسباب شخصية أو تجربة سابقة أثّرت فيه دون أن يعي ذلك. هذا النوع أصعب اكتشافًا لأنه لا يظهر في المتوسطات العامة، بل يحتاج مقارنة تفصيلية حالة بحالة.

ضجيج المناسبة (Occasion Noise)

هو التفاوت في حكم الشخص نفسه على القضية نفسها في وقتين مختلفين: قد يتغيّر حكمه بحسب مزاجه، أو تعبه، أو الطقس، أو ما إذا كان قد تناول وجبته، أو حتى ترتيب الحالات التي سبقت هذه الحالة في يومه. هذا النوع مقلق تحديدًا لأنه يعني أن "الحقيقة" التي نبني عليها قرارًا مصيريًا قد تتغيّر فقط لأن الوقت اختلف، رغم أن الحالة نفسها لم تتغيّر بشيء.

لماذا لا نلاحظ الضجيج عادة؟

المفارقة الأساسية التي يشرحها الكتاب هي أننا نميل لتصحيح التحيّز بسهولة أكبر من الضجيج، لسبب بسيط: التحيّز يترك أثرًا مرئيًا - نمطًا نستطيع تتبعه ومقارنته باتجاه واضح. أما الضجيج فلا يترك أثرًا واضحًا لأنه عشوائي بطبيعته؛ فحين تراجع قرارًا واحدًا بمفرده، لا يمكنك أن تعرف أنه كان سيختلف لو اتخذه شخص آخر أو في يوم آخر، لأنك لا ترى إلا القرار الذي اتُّخذ فعليًا، لا كل الاحتمالات البديلة التي لم تحدث. لهذا السبب بالذات، تظل معظم المؤسسات "صاخبة" دون أن تعرف ذلك، لأنها لا تسأل السؤال المناسب أصلًا: "لو أن حالة أخرى تولّت هذا الملف، هل كانت ستقرر الشيء نفسه؟"

تطبيق عملي: كيف تقلّل الضجيج في قراراتك وقرارات فريقك؟

أجرِ "تدقيق ضجيج" مصغّرًا

إن كنت تدير فريقًا يتخذ قرارات متكررة (تقييم موظفين، فحص طلبات، تسعير خدمات)، جرّب تجربة بسيطة: اعرض الحالة نفسها على شخصين أو أكثر من الفريق بشكل مستقل تمامًا، دون أن يرى أحدهم حكم الآخر، ثم قارن النتائج. إذا وجدت تفاوتًا يفاجئك، فأنت أمام ضجيج حقيقي يستحق معالجة، لا مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر.

افصل الحكم إلى عناصر مستقلة قبل الحكم الكلي

بدل أن تكوّن انطباعًا عامًا واحدًا فوريًا عن ملف كامل (وهو ما يفتح الباب لتأثير أول انطباع على كل التقييم)، قسّم القرار إلى معايير فرعية واضحة (مثلًا: الخبرة، والمهارات التقنية، والتواصل)، وقيّم كل معيار بمفرده أولًا، ثم اجمعها لاحقًا في حكم نهائي. هذا ما يسميه المؤلفون جزءًا من "نظافة القرار" (Decision Hygiene).

أخّر الحكم الكلي حتى تكتمل كل المعطيات

قاوم الرغبة في تكوين انطباع نهائي من أول دقيقتين، ثم قضاء بقية الوقت في البحث عن ما يؤكده فقط. اجمع كل المعلومات المتاحة أولًا، ثم كوّن الحكم في النهاية لا في البداية.

وحّد الإجراء لا الرأي

كثير من المؤسسات تحاول "تدريب" موظفيها على حكم أكثر دقة، بينما الحل الأنجع غالبًا هو تقليل حرية الاختيار في كيفية اتخاذ القرار نفسه: نموذج تقييم موحّد، معايير مكتوبة صريحة، وترتيب ثابت لخطوات المراجعة - لا لأن آراء الموظفين الفردية سيئة، بل لأن ترك كل شخص "يقرر بطريقته" هو ما يولّد الضجيج أصلًا.

راقب توقيت قراراتك المهمة

بما أن "ضجيج المناسبة" مرتبط بالتعب والمزاج وترتيب اليوم، احرص على ألا تتخذ القرارات الأكثر أهمية في آخر لحظة من يوم طويل مرهق، وإن استطعت جدولتها في وقت أكثر هدوءًا فافعل.

الفرق بين الضجيج والتحيّز المعرفي في القرارات السريعة

من المهم التمييز هنا بين موضوع هذا المقال وموضوع قريب لكنه مختلف: التحيّزات المعرفية ذات الاتجاه الثابت، مثل النفور من الخسارة الذي تناولناه في «المبدأ التاسع» - حيث يميل معظم الناس بثبات إلى تفادي الخسارة أكثر من سعيهم للربح المكافئ. ذلك حديث عن اتجاه ثابت في التفكير يمكن تسميته وتوقّعه، بينما الضجيج حديث عن تشتت لا اتجاه له، لا يمكن التنبؤ به مسبقًا، ولا يُكتشف إلا بالمقارنة بين عدة أحكام على الحالة نفسها. المؤسسة التي تعالج تحيّزاتها فقط دون أن تنتبه لضجيجها قد تظل تصدر أحكامًا متفاوتة بشدة رغم كل جهودها في "التوعية" أو "التدريب على الإنصاف".

الخلاصة

الحكم الجيد لا يتطلب فقط أن نتجنب الانحياز في اتجاه معيّن، بل أن نقلّل التشتت العشوائي غير المبرر بين الأحكام على الحالة نفسها - سواء كان هذا التشتت بين أشخاص مختلفين، أو بين حكم الشخص نفسه في مناسبات مختلفة. أول خطوة عملية بسيطة هي أن تسأل: "لو نظر شخص آخر - أو أنا نفسي في يوم آخر - إلى هذا الملف بالضبط، هل كان سيصل إلى النتيجة نفسها؟" إذا لم تكن واثقًا من الإجابة، فربما حان الوقت لتوحيد الإجراء قبل أن تثق بالنتيجة.

المراجع

  • Kahneman, Daniel, Olivier Sibony, and Cass R. Sunstein. *Noise: A Flaw in Human Judgment*. William Collins / Little, Brown Spark, 2021.
  • Dror, Itiel E., and David Charlton. "Why Experts Make Errors." *Journal of Forensic Identification*, vol. 56, no. 4, 2006, pp. 600–616.
ف

فريق مبادئ الإنسان

اشترك في النشرة

أفكار ومقالات جديدة إلى بريدك.

مقالات ذات صلة