تخطَّ إلى المحتوىمبادئ الإنسانمبادئ الإنساند. محمد بن نواف آل فهد
اشترك
المبدأ الرابع: نبحث عمّا يؤكد ما نعتقده
المبادئ·2026-09-01·4 دقائق قراءة
المبدأ رقم 4

المبدأ الرابع: نبحث عمّا يؤكد ما نعتقده

عقولنا لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عمّا يؤكد ما تعتقده مسبقًا؛ إدراك هذا الميل هو شرط أول لحكم أكثر إنصافًا.

تخيّل شخصين يقرآن التقرير المالي نفسه عن أداء شركة ما. أحدهما متفائل بمستقبلها، فيلاحظ كل مؤشر إيجابي ويقرأ الأرقام السلبية باعتبارها "استثناءً مؤقتًا". الآخر متشائم، فيلاحظ كل مؤشر سلبي ويقرأ الأرقام الإيجابية باعتبارها "لن تدوم". التقرير واحد، لكن كل واحد منهما خرج بقراءة تؤكد ما كان يعتقده أصلًا قبل أن يفتح الصفحة الأولى. هذا هو جوهر المبدأ الرابع: العقل البشري لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عمّا يؤكد معتقداته القائمة، وهذا الميل يُعرف في علم النفس بالانحياز التأكيدي (Confirmation Bias).

ما الانحياز التأكيدي بالضبط؟

في مراجعته الشاملة المنشورة عام 1998 بعنوان "Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises"، يعرّف الباحث ريموند نيكرسون (Raymond Nickerson) هذا الانحياز بأنه الميل إلى البحث عن الأدلة أو تفسيرها بطريقة تدعم معتقدًا أو توقعًا قائمًا مسبقًا، مع إهمال أو التقليل من شأن الأدلة المضادة. المهم في هذا التعريف أن الانحياز لا يعني بالضرورة الكذب المتعمد أو تجاهل الحقيقة بوعي؛ بل هو غالبًا عملية غير واعية تمامًا — يشعر صاحبها بأنه "موضوعي تمامًا" بينما هو ينتقي الأدلة دون أن يدري.

كيف يظهر في القرارات اليومية؟

في التوظيف والتقييم

مدير يشكّل انطباعًا أوليًا إيجابيًا عن مرشح في أول خمس دقائق من المقابلة، ثم يقضي بقية الوقت — دون وعي — يبحث عن ما يؤكد هذا الانطباع، متجاهلًا إشارات التحذير التي كانت لتُلاحظ بسهولة لو بدأ بانطباع محايد.

في العلاقات

من يعتقد أن شريكه "لا يهتم به" سيلاحظ كل لحظة إهمال ويتذكرها بوضوح، بينما تمر لحظات الاهتمام دون أن تُسجَّل بالقوة نفسها في الذاكرة، فيتعزز الاعتقاد الأصلي حتى لو لم يتغير سلوك الشريك فعليًا.

في الأخبار والمعلومات

في بيئة رقمية تعرض لنا خوارزميات ما نميل إليه أصلًا، يصبح من السهل قضاء سنوات دون أن نصادف رأيًا مخالفًا جادًا، فيتحول الرأي الشخصي — بفعل التكرار لا الدليل — إلى ما يبدو "حقيقة بديهية لا تحتاج نقاشًا".

لماذا يصعب ملاحظته في أنفسنا؟

الانحياز التأكيدي يسهل رصده عند الآخرين ويصعب رصده في الذات، لأنه لا يشعر كأنه انحياز من الداخل، بل يشعر كأنه "استنتاج منطقي طبيعي". هذا ما يجعله من أكثر التحيزات المعرفية مقاومة للتصحيح بمجرد التوعية النظرية وحدها؛ معرفة وجوده لا تكفي لإلغائه، بل يحتاج ممارسة فعلية متعمدة.

ثلاث ممارسات للحد من أثره

1. اسأل: ما الدليل الذي يغيّر رأيي؟

قبل تكوين موقف نهائي في قرار مهم، حدّد مسبقًا نوع الدليل الذي — لو ظهر — سيجعلك تغيّر رأيك. إن لم تستطع تخيّل أي دليل ممكن يفعل ذلك، فهذه إشارة إلى أنك لست بصدد تقييم موضوعي، بل تبرير لموقف محسوم سلفًا.

2. ابحث عمدًا عن الرأي المخالف الأقوى

ليس أي رأي مخالف، بل أقوى نسخة منه، كما يطرحها أصحابه أنفسهم لا كما يلخصها خصومهم. هذا التمرين — المعروف أحيانًا بـ"مبدأ الرجل الحديدي" (Steel-manning) عكس "رجل القش" — يكشف غالبًا نقاطًا لم تكن واردة في الحسبان.

3. افصل جمع المعلومات عن تكوين الرأي

حين يكون القرار مهمًا (توظيف، استثمار، خيار مصيري)، اجمع كل المعلومات المتاحة أولًا قبل أن تسمح لنفسك بتكوين رأي أولي. كلما تشكّل الرأي مبكرًا، أصبح جمع المعلومات اللاحق عملية بحث عن تأكيد لا عملية تقييم حقيقي.

مثال تطبيقي

فريق استثماري كان متحمسًا لصفقة استحواذ على شركة ناشئة. بدل الاكتفاء بتقرير الفريق الداعم للصفقة، كلّف القائد فريقًا مستقلًا بمهمة واحدة: البحث عن كل الأسباب التي قد تجعل الصفقة فاشلة، وتقديمها كأقوى ما يمكن. هذا الإجراء — المعروف أحيانًا بـ"محامي الشيطان" الرسمي — كشف مخاطر تشغيلية جدية لم تكن لتظهر في تقرير كتبه فريق متحمس أصلًا لإتمام الصفقة.

خطأ شائع: الاعتقاد بأن "أنا موضوعي أكثر من غيري"

من أكثر المفارقات إثارة للاهتمام في أبحاث الانحياز التأكيدي أن معظم الناس، حين يُسألون، يعترفون بوجود هذا الانحياز لدى الآخرين بسهولة، بينما يعتقدون أنهم شخصيًا أقل عرضة له من المتوسط — وهذا بحد ذاته انحياز إضافي يُعرف أحيانًا بـ"البقعة العمياء عن الانحياز" (Bias Blind Spot). الاعتقاد بامتلاك مناعة خاصة ضد هذا الميل هو بالضبط ما يجعل الشخص أكثر عرضة له، لأنه يُسقط أي حافز لفحص استنتاجاته بشك صحي.

التعامل الواقعي مع هذا المبدأ يبدأ من افتراض متواضع: أنا عرضة لهذا الانحياز في كل قرار مهم، بصرف النظر عن مدى ثقتي في موضوعيتي. هذا الافتراض وحده — لا الذكاء ولا حسن النية — هو ما يدفع إلى استخدام أدوات فعلية للتصحيح، بدل الاكتفاء بالثقة الداخلية بأنني "أرى الأمور بوضوح كما هي".

أسئلة للتأمل

  • ما آخر قرار مهم اتخذته دون أن تبحث فعليًا عن معلومات قد تناقض ما كنت تميل إليه مسبقًا؟
  • هل توجد قناعة تحملها بثقة عالية، لكنك لم تراجع أقوى حجة مضادة لها منذ فترة طويلة؟
  • من في محيطك يمكن أن يقدّم لك رأيًا مخالفًا صادقًا دون مجاملة؟ متى استشرته آخر مرة فعليًا؟

الانحياز التأكيدي في القرارات الجماعية

يزداد أثر هذا الانحياز خطورة حين يجتمع عدد من الأشخاص الذين يشتركون في الرأي نفسه مسبقًا، فيتحول النقاش الجماعي إلى تبادل تأكيدات متبادلة بدل تقييم حقيقي — ظاهرة تُعرف أحيانًا بـ"التفكير الجماعي" (Groupthink). فرق العمل التي تضم تنوعًا حقيقيًا في وجهات النظر، وتمنح مساحة فعلية لإبداء رأي مخالف دون عقاب اجتماعي ضمني، تتخذ قرارات أكثر دقة إحصائيًا من الفرق المتجانسة تمامًا في الرأي، حتى لو بدت الأخيرة أكثر انسجامًا وأسرع في الوصول إلى توافق.

الخلاصة

لا يمكن للإنسان أن يُلغي الانحياز التأكيدي تمامًا، فهو جزء من آلية عمل العقل ذاتها لا عيبًا عارضًا فيه. لكن الوعي بوجوده، إلى جانب ممارسات محددة كالبحث المتعمد عن الرأي المخالف وتأجيل تكوين الحكم، يقلّص أثره بشكل ملموس على جودة القرارات — سواء في العمل أو في العلاقات أو في تقييم المعلومات التي نستهلكها يوميًا.

المراجع

  • Nickerson, Raymond S. "Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises." *Review of General Psychology*, vol. 2, no. 2, 1998, pp. 175–220.
  • Kahneman, Daniel. *Thinking, Fast and Slow*. Farrar, Straus and Giroux, 2011.
ف

فريق مبادئ الإنسان

→ المبدأ السابقالمبدأ ٣ · المبدأ الثالث: المساحة بين المثير والاستجابةالمبدأ التالي ←المبدأ ٥ · المبدأ الخامس: الثقة رأس مال لا يُشترى

اشترك في النشرة

أفكار ومقالات جديدة إلى بريدك.

مقالات ذات صلة