"كن ممتنًا لما لديك" نصيحة قديمة تكاد توجد في كل ثقافة وكل تراث ديني وأخلاقي تقريبًا. لعقود طويلة، ظلت هذه النصيحة في خانة الحكمة الأخلاقية أكثر منها في خانة العلم القابل للقياس. لكن بداية من أواخر التسعينيات وبداية الألفية، بدأ علم النفس الإيجابي يفحص الامتنان بأدوات بحثية منهجية، وخرج بنتائج تستحق التوقف عندها.
دراسة إيمونز وماكولو: تجربة رائدة
من أكثر الدراسات المرجعية في هذا المجال، بحث الباحثَين روبرت إيمونز (Robert Emmons) ومايكل ماكولو (Michael McCullough) بعنوان "Counting Blessings Versus Burdens: An Experimental Investigation of Gratitude and Subjective Well-Being in Daily Life"، المنشور عام 2003 في مجلة Journal of Personality and Social Psychology. في هذه الدراسة، قُسّم المشاركون عبر عدة تجارب إلى مجموعات: مجموعة طُلب منها تدوين أمور يشعرون بالامتنان تجاهها بشكل دوري (أسبوعي أو يومي)، ومجموعات مقارنة أخرى دوّنت إما المتاعب اليومية أو أحداثًا محايدة.
النتيجة الأبرز: المجموعات التي مارست تدوين الامتنان أظهرت مستويات أعلى من الرفاهية النفسية عبر عدد من المقاييس، وإن لم يكن ذلك في كل مقياس استُخدم بالتساوي. كان الأثر الأوضح والأكثر ثباتًا على مستوى المشاعر الإيجابية اليومية (Positive Affect) تحديدًا، أكثر من بعض المقاييس الأخرى الأقل حساسية للتغير قصير المدى.
من المهم هنا التزام الدقة العلمية: الدراسة لا تثبت أن الامتنان "يحل" كل مشكلة نفسية، ولا أنه بديل عن الدعم المتخصص عند الحاجة إليه، بل تثبت أثرًا إيجابيًا ملحوظًا وقابلًا للتكرار على مؤشرات محددة للرفاهية النفسية، ضمن سياق تجريبي منضبط.
لماذا يعمل تدوين الامتنان تحديدًا (لا مجرد "الشعور به")؟
إعادة توجيه الانتباه
الدماغ البشري، لأسباب تطورية، مبرمج على الانتباه للتهديدات والنواقص أكثر من الانتباه لما يسير بشكل جيد — وهو ما يُعرف أحيانًا بالانحياز نحو السلبية (Negativity Bias). فعل تدوين الامتنان يجبر الانتباه على الانعطاف عمدًا نحو ما هو إيجابي بالفعل، وهو انعطاف لا يحدث تلقائيًا دون جهد واعٍ.
التحويل من شعور عابر إلى ممارسة متكررة
الشعور اللحظي بالامتنان يزول سريعًا كأي شعور آخر. التدوين المنتظم يحوّله من لحظة عابرة إلى عادة متكررة (وهذا يتقاطع مباشرة مع مبدأ العادات: التكرار المنتظم، لا الشعور القوي لمرة واحدة، هو ما يُحدث الأثر التراكمي).
كيف تُمارَس هذه النتائج عمليًا؟
التحديد أفضل من التعميم
بدل "أنا ممتن لعائلتي" العام، تدوين شيء محدد ("أنا ممتن أن أختي اتصلت بي اليوم لتطمئن عليّ دون سبب") يُنتج أثرًا نفسيًا أعمق، لأن التحديد يستدعي استرجاعًا حقيقيًا للتجربة بدل تكرار عبارة جاهزة.
الانتظام أهم من الكمية
تدوين ثلاثة أمور بانتظام أسبوعي أفضل من محاولة تدوين عشرة أمور مرة واحدة ثم التوقف. الأثر المتراكم يحتاج تكرارًا لا كثافة لحظية.
التوجيه نحو الأشخاص لا الأشياء فقط
الامتنان الموجّه نحو أفعال أشخاص محددين (لا الأشياء المادية فقط) يرتبط بأثر أقوى على جودة العلاقات نفسها، لأنه غالبًا ما يُعبَّر عنه لاحقًا للشخص المعني، فيعزز الرابط بشكل مباشر.
حدود ما تثبته الأبحاث
من الأمانة العلمية التنبيه إلى أن حجم الأثر في هذه الدراسات، وإن كان حقيقيًا وقابلًا للتكرار في أبحاث لاحقة، ليس معجزة نفسية شاملة. الامتنان أداة مساعدة ضمن مجموعة أوسع من عوامل الرفاهية النفسية (النوم، العلاقات، الشعور بالمعنى، الدعم الاجتماعي)، لا بديلًا عنها جميعًا. كما أن معظم هذه الدراسات أُجريت على عينات محددة (غالبًا طلاب جامعات في سياقات غربية)، وهذا يستدعي حذرًا معتادًا عند تعميم النتائج على كل السياقات الثقافية دون تحفظ.
مثال تطبيقي
فريق عمل صغير بدأ اجتماعه الأسبوعي بدقيقتين فقط يشارك فيها كل عضو أمرًا محددًا واحدًا يشعر بالامتنان تجاهه من عمل الأسبوع — إنجاز زميل، مساعدة تلقّاها، موقفًا إيجابيًا مع عميل. لم تكن الممارسة استبدالًا لمناقشة المشكلات الفعلية، بل إضافة قصيرة قبلها. مع الوقت، لاحظ الفريق جوًا عامًا أكثر إيجابية في التعامل، وهو ما يتسق مع ما تشير إليه الأبحاث حول أثر الممارسة المنتظمة، لا اللحظية، للامتنان.
خطأ شائع: الامتنان كإنكار للمشكلات الحقيقية
من التشويهات الشائعة لهذه الفكرة استخدامها لإسكات مشاعر مشروعة عن مشكلات حقيقية، كأن يُقال لشخص يمر بظرف صعب "يجب أن تكون ممتنًا فقط ولا تشتكِ"، وهو استخدام يبتعد تمامًا عن روح البحث العلمي في هذا المجال. الدراسات التي تناولت الامتنان لم تطلب من المشاركين إنكار الصعوبات أو المتاعب، بل طلبت منهم فقط تخصيص انتباه إضافي — لا حصري — لما هو إيجابي أيضًا، إلى جانب الاعتراف الكامل بالتحديات القائمة. الامتنان الصحي ليس بديلًا عن معالجة المشكلات الحقيقية أو طلب الدعم عند الحاجة، بل ممارسة موازية تحسّن التوازن النفسي العام دون أن تلغي ضرورة التعامل المباشر مع الصعوبات.
أسئلة للتأمل
- متى كانت آخر مرة دوّنت فيها أمرًا محددًا تشعر بالامتنان تجاهه، لا بشكل عام بل بتفصيل واضح؟
- هل تميل غالبًا إلى ملاحظة ما ينقص أكثر مما تلاحظ ما هو متوفر بالفعل في حياتك؟
- من الشخص الذي تشعر بامتنان تجاهه ولم تخبره بذلك مباشرة بعد؟
بحث متجدد لا نتيجة نهائية مغلقة
من الأمانة العلمية أيضًا الإشارة إلى أن أبحاث الامتنان استمرت بعد دراسة إيمونز وماكولو الأصلية، بدراسات لاحقة حاولت تكرار النتائج وتوسيعها إلى سياقات مختلفة (بيئات العمل، العلاقات الزوجية، المراهقين)، بنتائج إيجابية بشكل عام وإن تفاوتت في حجم الأثر بين دراسة وأخرى، كما هو متوقع في أي مجال بحثي حي. هذا التفاوت الطبيعي بين الدراسات ليس علامة ضعف في الفكرة، بل هو الطريقة التي يتقدم بها العلم عادة: نتيجة أولية واعدة، ثم تكرار وتدقيق مستمر يصقل فهمنا لحدود الأثر وظروف حدوثه بدقة أكبر مع الوقت.
الخلاصة
الامتنان ليس مجرد شعار أخلاقي جميل، بل ممارسة مدروسة لها أساس بحثي حقيقي، بشرط أن تُمارَس بانتظام وتحديد، لا كشعور عابر يُستدعى في المناسبات فقط. وككل أداة نفسية مفيدة، قيمتها الحقيقية تظهر في التكرار الهادئ اليومي، لا في اللحظة الاستثنائية.
المراجع
- Emmons, Robert A., and Michael E. McCullough. "Counting Blessings Versus Burdens: An Experimental Investigation of Gratitude and Subjective Well-Being in Daily Life." *Journal of Personality and Social Psychology*, vol. 84, no. 2, 2003, pp. 377–389.



