تخطَّ إلى المحتوىمبادئ الإنسانمبادئ الإنساند. محمد بن نواف آل فهد
اشترك
التعاطف والاستماع الفعّال: كيف نسمع الآخرين فعلًا؟
الإنسان والآخر·2026-09-16·6 دقائق قراءة

التعاطف والاستماع الفعّال: كيف نسمع الآخرين فعلًا؟

معظمنا يستمع لكي يرد، لا لكي يفهم؛ والفارق بين الاثنين هو الفارق بين علاقة سطحية وعلاقة يشعر فيها الطرف الآخر بأنه مرئي فعلًا.

تخيل أنك تروي لصديق موقفًا صعبًا مررت به، وبينما تتحدث تلاحظ أن عينيه تلمعان بحماس من نوع مختلف — ليس حماس من يتفهم ألمك، بل حماس من ينتظر دوره ليتحدث عن تجربة مشابهة له هو. حين ينتهي كلامك، يبدأ فورًا بسرد قصته الخاصة، وتشعر فجأة أن الحديث لم يعد عنك. هذا الموقف مألوف لدرجة أن له اسمًا في بحوث التواصل: "خطف المحادثة" (conversational narcissism)، وهو أحد أوضح الأعراض على أن الاستماع الحقيقي أصعب بكثير مما يبدو. الاستماع الفعّال ليس صمتًا مؤدبًا ننتظر فيه دورنا، بل مهارة قابلة للتعلم، ومكوّن جوهري في أي علاقة إنسانية تستحق الثقة.

التعاطف ليس الشفقة ولا الموافقة

كثيرون يخلطون بين التعاطف (empathy) والشفقة (sympathy)، رغم أنهما تجربتان مختلفتان تمامًا. الشفقة تعني النظر إلى ألم شخص آخر من الخارج والشعور بالأسف له؛ أما التعاطف فيعني محاولة الدخول إلى تجربته والشعور معه لا من أجله. الباحثة والكاتبة برينيه براون (Brené Brown) توضح في كتابها Atlas of the Heart (2021) أن التعاطف الحقيقي لا يبدأ بجملة "على الأقل..." التي تقارن ألم الآخر بشيء أسوأ لتخفيفه، بل بجملة أبسط وأصدق: "أنا هنا معك". التعاطف أيضًا لا يعني الموافقة على كل ما يقوله الطرف الآخر أو تبرير تصرفاته؛ يمكنك أن تتفهم شعور شخص بالغضب دون أن توافقه على الطريقة التي تصرف بها بسبب هذا الغضب. الفارق بين الفهم والموافقة هو ما يسمح للتعاطف أن يكون صادقًا دون أن يتحول إلى مجاملة فارغة.

لماذا يصعب علينا الاستماع الحقيقي؟

الدماغ البشري يعالج الكلام المسموع أسرع بكثير من سرعة الكلام المنطوق، وهذه الفجوة الزمنية تُغري العقل بملء الفراغ — فبدل الانتباه الكامل لما يُقال، ننشغل بصياغة ردنا، أو نقفز إلى استنتاجات مسبقة عمّا سيقوله الطرف الآخر بناءً على الجملة الأولى فقط. أضف إلى ذلك أن الاستماع الحقيقي يتطلب طاقة معرفية حقيقية: عليك أن تعلّق حكمك المسبق، وأن تتحمل صمتًا قد يبدو غير مريح، وأن تقاوم رغبة طبيعية في "إصلاح" مشكلة الطرف الآخر فورًا بدل سماعها كاملة أولًا. هذه الأسباب مجتمعة تجعل الاستماع الفعّال مهارة تحتاج تدريبًا واعيًا، لا سلوكًا يحدث تلقائيًا لمجرد حسن النية.

أركان الاستماع الفعّال

المفهوم الذي نعرفه اليوم بـ"الاستماع الفعّال" (Active Listening) صاغه عالم النفس كارل روجرز (Carl Rogers) مع ريتشارد فارسون (Richard Farson) في مقالهما الكلاسيكي Active Listening عام 1957، كامتداد لمنهج روجرز في العلاج المتمركز حول العميل. المبدأ الأساسي عندهما أن الاستماع الحقيقي فعل نشط لا سلبي، ويقوم على عدة أركان مترابطة.

الانتباه الكامل قبل أي شيء آخر

الاستماع الفعّال يبدأ بحضور جسدي وذهني: التوقف عن أي نشاط موازٍ، النظر إلى المتحدث، ووضع الهاتف جانبًا. هذا الانتباه ليس مجرد أدب اجتماعي، بل إشارة واضحة للطرف الآخر بأن ما يقوله يستحق التركيز الكامل، وهي إشارة يلتقطها الناس بسرعة حتى دون أن يصرّحوا بها.

الانعكاس وإعادة الصياغة

من أقوى أدوات الاستماع الفعّال أن تعيد صياغة ما فهمته بكلماتك الخاصة قبل أن تضيف رأيك: "إذا فهمت صح، أنت منزعج لأن أحدًا لم يستشرك قبل اتخاذ القرار، وليس بسبب القرار نفسه؟". هذه الخطوة تخدم غرضين: تتيح للمتحدث تصحيح أي سوء فهم فورًا، وتشعره بأنك بذلت جهدًا حقيقيًا لفهم كلامه لا مجرد سماعه.

تأجيل الحكم والنصيحة

أحد أكثر الأخطاء شيوعًا هو القفز إلى تقديم نصيحة أو حل بمجرد سماع أول وصف للمشكلة. كثير من الناس حين يشاركون مشكلة لا يبحثون فعليًا عن حل، بل عن أن يُسمَعوا أولًا. النصيحة المتسرعة، حتى لو كانت صائبة تقنيًا، قد تُشعر المتحدث بأن مشاعره قُوبلت بتجاهل، وكأن المستمع أراد إنهاء الموقف بسرعة بدل احتوائه.

الأسئلة المفتوحة بدل الأسئلة المغلقة

سؤال مثل "هل أزعجك ذلك؟" يقبل إجابة بنعم أو لا وينهي الاستكشاف؛ أما سؤال مثل "كيف أثّر بك هذا الموقف؟" فيفتح مساحة أوسع للمتحدث كي يعبّر بعمق أكبر. الأسئلة المفتوحة تنقل رسالة ضمنية بأن المستمع مهتم فعلًا بالتفاصيل، لا فقط بإغلاق الموضوع.

الفرق بين سماع المشكلة وحلّها فورًا

في كتابه Nonviolent Communication (طبعة محدّثة 2015)، يشير عالم النفس مارشال روزنبرغ (Marshall Rosenberg) إلى أن كثيرًا من التوتر في المحادثات ينشأ من تحويل لحظة تحتاج تعاطفًا إلى لحظة تحتاج حلًا. حين يشارك شخص همًّا عاطفيًا، فإن أول رد فعل طبيعي — خاصة لدى من اعتادوا حل المشكلات مهنيًا — هو اقتراح خطوات عملية. لكن هذا التسرع يتجاهل حاجة أساسية سابقة: أن يشعر المتحدث بأن مشاعره وُصلت واستُقبلت قبل الانتقال إلى الحلول. سؤال بسيط مثل "هل تريد أن أسمعك فقط الآن، أم تريد رأيي في حل؟" يحل هذا الالتباس بوضوح ويمنح الطرف الآخر السيطرة على نوع الدعم الذي يحتاجه فعلًا.

حين يكون التعاطف مرهقًا

التعاطف المستمر دون حدود واضحة قد يؤدي إلى إنهاك عاطفي حقيقي، خصوصًا لدى من يستمعون لمشكلات الآخرين بشكل متكرر — كالمعلمين، والعاملين في المجال الصحي، وأصحاب الأدوار القيادية. الاستماع الفعّال لا يعني التخلي عن حدودك الشخصية أو تحمّل عبء عاطفي لا طاقة لك به؛ يمكن أن تتعاطف بصدق مع شخص في لحظة معينة، ثم توضح بلطف أنك بحاجة لوقت لاستعادة طاقتك قبل أن تكون حاضرًا لمحادثة أخرى مشابهة. التعاطف المستدام يحتاج وعيًا بحدود قدرتك، لا إنكارًا لها.

لغة الجسد التي تسبق الكلمات

كثير من الاستماع الفعّال يحدث قبل أن يُنطق أي رد، عبر إشارات صامتة تُظهر انتباهًا حقيقيًا: إيماءة رأس بسيطة تؤكد للمتحدث أنك تتابع، ووضعية جسد منفتحة بدل ذراعين متقاطعتين توحيان بالدفاعية أو الملل، وصمت قصير بعد أن ينتهي الطرف الآخر من كلامه بدل مقاطعته فورًا برأيك. هذا الصمت القصير تحديدًا يُغفله كثيرون رغم أهميته: فهو يمنح المتحدث فرصة لإضافة ما نسيه، ويمنحك أنت فرصة لمعالجة ما قيل بدل الرد بانعكاس أول فكرة تخطر ببالك. أغلبنا يخشى الصمت في المحادثة ظنًا منه أنه فراغ محرج يجب ملؤه فورًا، بينما هو في الواقع أحد أهم أدوات الاستماع الجيد، لأنه يمنح كلا الطرفين مساحة للتفكير لا للتفاعل الآلي.

مثال تطبيقي

أب لاحظ أن ابنته المراهقة توقفت تدريجيًا عن مشاركته أي شيء عن يومها، وكانت كل محاولاته لفتح حوار تنتهي بإجابات مقتضبة ("تمام"، "لا شيء مهم"). حين سألها بصراحة عن السبب في لحظة هدوء نادرة، أجابته بجملة أثّرت فيه: "كل مرة أحكي لك شيئًا، تبدأ فورًا تشرح لي كيف أتصرف بشكل أفضل، وأنا أحيانًا فقط أريد أن أحكي". قرر تجربة شيء مختلف في الأسبوع التالي: حين شاركته مشكلة مع صديقة لها في المدرسة، امتنع عن تقديم أي نصيحة، واكتفى بإعادة صياغة ما فهمه ("يبدو أن هذا أزعجك كثيرًا لأنها كانت صديقتك المقربة") وسؤالها إن كانت تريد رأيه أم فقط تريد أن يسمعها. اختارت أن يسمعها فقط في تلك المرة. لاحظ الأب أنها استمرت في الحديث لعشر دقائق إضافية بعد أن توقع أنها ستنهي الموضوع خلال دقيقة، وفي الأسابيع التالية بدأت تشاركه تفاصيل أكثر من تلقاء نفسها، ليس لأنه توقف عن الاهتمام بمساعدتها، بل لأنها شعرت أخيرًا أن هناك مساحة لتتحدث دون أن تُقاطَع بحلول لم تطلبها.

تطبيق عملي

  • في محادثتك القادمة مع شخص يشاركك موقفًا صعبًا، جرّب ألا تقدّم أي نصيحة قبل أن تعيد صياغة ما فهمته بجملة واحدة، وانتظر تأكيده.
  • لاحظ في المرة القادمة التي تستمع فيها: هل تصيغ ردك في ذهنك بينما الطرف الآخر لا يزال يتحدث؟ إن كان الجواب نعم، توقف عمدًا وأعد تركيزك على كلماته الحالية فقط.
  • اسأل صراحة "هل تريد أن أسمعك أم تريد رأيي؟" في المرة القادمة التي يشاركك فيها أحد همًّا، ولاحظ كيف يغيّر هذا السؤال مسار المحادثة.
  • خصص خمس دقائق يوميًا مع شريك حياتك أو صديق مقرب يتحدث فيها هو فقط دون أن تقاطعه بأي رأي أو حل.

الخلاصة

الاستماع الفعّال ليس موهبة يولد بها البعض، بل مهارة تُكتسب بالممارسة الواعية: انتباه كامل، إعادة صياغة صادقة، تأجيل الحكم والنصيحة، وأسئلة تفتح المجال بدل أن تغلقه. والتعاطف الذي يصاحب هذا الاستماع لا يعني الموافقة على كل شيء ولا الشعور بالأسف من بعيد، بل محاولة صادقة للدخول إلى تجربة الآخر والوقوف بجانبه فيها، مع وعي بحدود طاقتك الخاصة. حين تتقن هذه المهارة، ستلاحظ أن من حولك يشاركونك أكثر، ليس لأنك تقدم حلولًا أفضل، بل لأنهم يشعرون أخيرًا بأنهم مسموعون.

المراجع

  • Rogers, Carl R., and Richard E. Farson. Active Listening. Industrial Relations Center, University of Chicago, 1957.
  • Brown, Brené. Atlas of the Heart: Mapping Meaningful Connection and the Language of Human Experience. Random House, 2021.
  • Rosenberg, Marshall B. Nonviolent Communication: A Language of Life. PuddleDancer Press, الطبعة الأصلية 2003، طبعات محدّثة لاحقة.
ف

فريق مبادئ الإنسان

اشترك في النشرة

أفكار ومقالات جديدة إلى بريدك.

مقالات ذات صلة